الشريف المرتضى
156
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
العلم ، فما خصّصنا معلوما إلّا بمعلوم ، ولا اعتبار بطريق هذا العلم ، كان ظنّا أو غيره . ومن أقوى ما احتجّ به من نفي تخصيص العموم بالقياس أنّه لا خلاف بين مثبتيه في أن الشّرط في استعماله الضرورة إليه ، وسلامته من أن تكون الظّواهر دافعة له ، وهذا الشرط يمنع من تخصيص الكتاب والسنّة المعلومة المقطوع عليها به . ووجدت بعض من خالف في ذلك يقدح في هذه الطريقة ، بأن يقول : إذا خصّصنا العموم بالقياس ، فقد استعملناه فيما لا نصّ فيه يخالفه ، وإنّما يدفع النصّ القياس إذا كان المراد بذلك النصّ معلوما ، فأمّا ما يتناول اللّفظ في الظّاهر لا يكون دافعا ، فإن أردتم الأوّل ، فهو مسلّم ، ولا يمنع من التخصيص بالقياس ، وإن أردتم الثاني ، فغير مسلّم ، وهو موضع الخلاف . وهذا ليس بصحيح ؛ لأنّ مراد اللّه تعالى إنّما يعلم بخطابه ، فإذا كان ظاهر خطابه ينافي القياس ، فقد زال الشّرط في صحّة القياس ، فكيف السبيل إلى العلم بمراده إلّا من جهة خطابه . وبعد ، فمعلوم بغير شبهة ان للقياس في تخصيص العموم شرطا ليس هو للدليل العقليّ ، ولا للسنّة المقطوع عليها ، وقد بيّنّا أنّا نترك ظاهر الكتاب ونخص عمومه بدليل العقل ، والسنّة المعلومة ، والإجماع ، فيجب مع هبوط درجة القياس عنها ألّا ندع به ظاهر العموم ، وأن نكتفي في الدفع له بتناول ظاهر الكتاب بخلاف موجبه ، حتّى يكون القياس بخلاف الأدلّة القاطعة . وليس يمكن أن يدّعوا أنّ الفرق بين القياس وغيره من الأدلّة القاطعة أنّ القياس لا يستعمل مع العلم بأنّ مراد اللّه تعالى بخطابه خلافه . قلنا : ولا شيء من الأدلّة يستعمل مع ذلك . فإذا قيل ما عدا القياس من الأدلّة يمنع من أن يعلم من مراد اللّه خلافها ؛ لأنّ ذلك يقتضي تعارض الأدلّة وتناقضها ، وهذا جائز في القياس .